الحقوق الكويرية جات إزاي في الجنوب؟!

الرجل الأبيض

مش ممكن يعني تروح لحد في أمريكا سنة ١٩٥٠ وتقول إن بعد سبعين سنة هيبقى فيه جواز مثليين قانوني في كل الولايات!! هيعتبرك مجنون. ومع ذلك، ده بالظبط اللي حصل، لكن بعد كام يوم من اللي حصل في حانة ستونوول سنة ١٩٦٩ لما ناس اتهانت وقررت متهربش وبعدهم كمان خمسين سنة تنظيم وقضايا محاكم ومظاهرات كل حاجة بقت زي ما أحنا شايفين دلوقت، أما فرنسا من ناحيتها ألغت تجريم المثلية من أيام دستور١٧٨٩ كجزء من منظومة علمانية مرتبطة بالثورة بتقول إن القانون ما يتدخلش في حياة الناس الشخصية بس الاعتراف القانوني جه بعد صراع اجتماعي طويل لحد إلغاء التمييز سنة ١٩٨٥ والاعتراف بالزواج المثلي ٢٠١٣.

القصتين دول مهمين، بس إحنا مش هنقف عندهم كتير لأن اللي أكثر جدارة بالاهتمام التحليلي هو اللي حصل في العالم التالت. في بلاد عندها فقر وعدم استقرار سياسي وإرث استعماري وأديان راسخة ومجتمعات محافظة  وبرضه حصل تغيير. ده اللي لازم نفهمه.

التغيير ما جاش من السما، وما جاش عن طريق “تحضر ثقافي” مجرد. جه من تقاطع حركات اجتماعية منظمة مع مؤسسات قانونية وقضائية

أمريكا اللاتينية وفراق بين الدولة والكنيسة

أمريكا اللاتينية من أغرب وأعمق النماذج للدراسة. تخيل منطقة عندها كاثوليكية راسخة لأكتر من خمسمية سنة، وذكورية ثقافية متجذرة في كل حاجة من طريقة الكلام للعلاقات الأسرية  ومع ده، الأرجنتين بقت أول بلد في أمريكا اللاتينية وعاشر بلد في العالم كله يُقر زواج المثليين سنة ٢٠١٠.

الجواب فيه طبقات. الأرجنتين عاشت ديكتاتورية عسكرية من ١٩٧٦ لحد ١٩٨٣  سنين من الاختفاء القسري والتعذيب والقمع لكل معارض. لما الديمقراطية رجعت، الجيل ده من الأرجنتينيين كان عنده علاقة مختلفة مع السلطة والحقوق والناس اللي شافت إيه معناه إن الدولة تمحي وجودك، مكنش سهل عليها إن الدولة تكمل وتمحي وجود حد تاني. الحركة الحقوقية الكويرية اشتغلت جنب حركات حقوق الإنسان الأوسع، وبنوا تحالفات حقيقية.

في نفس الوقت، فيه تحول قانوني منهجي حصل على مدى سنين مش نط مرة واحدة. المحاكم المحلية بدأت تعترف بشراكات مدنية، والنقاش العام اتفتح تدريجياً، والمنظمات الكويرية الأرجنتينية كانت من أكثر المنظمات تنظيماً وانتشاراً في القارة. لما جه يوم التصويت في البرلمان، كان فيه عشرات الآلاف واقفين في ساحة الكونغرس في البرد والمطر مستنين النتيجة.

كولومبيا نموذج تاني يستاهل الاهتمام. بلد عايشت حرب أهلية لعقود، وتهريب مخدرات، وعنف منظم وفي نفس السياق ده، المحكمة الدستورية الكولومبية كانت من أكثر المحاكم في العالم تقدماً في أحكامها المتعلقة بحقوق المجتمع الكويري. الباحثين القانونيين بيشيروا إن الاستقلالية النسبية للجهاز القضائي عن الضغوط السياسية المباشرة خلّت المحاكم تكون الباب اللي دخل منه التغيير. زواج المثليين في كولومبيا اعترف بيه رسمياً سنة ٢٠١٦ عن طريق قرار قضائي مش تشريع برلماني.

اللي بيوحد التجارب دي في أمريكا اللاتينية إن التغيير ما جاش من السما، وما جاش عن طريق “تحضر ثقافي” مجرد. جه من تقاطع حركات اجتماعية منظمة مع مؤسسات قانونية وقضائية، في سياق بلدان بتحاول تبني ديمقراطية بعد تجارب استبداد.

آسيا وخناقة الحداثة والتراث

تايوان تجربة مثيرة. سنة ٢٠١٩، بقت أول بلد في آسيا كلها تُقر الزواج المثلي، وده في سياق ثقافي كنفوشيوسي بيحط قيمة هائلة على الأسرة والإنجاب وامتداد النسل، في منطقة جوارها الصين وكوريا واليابان اللي التغيير فيها أبطأ بكتير.

إيه اللي خلّى تايوان مختلفة؟ الباحثين بيشيروا لعوامل متشابكة. تايوان عندها مجتمع مدني نشيط جداً نشأ بالتوازي مع التحول الديمقراطي من الثمانينيات، الحرية السياسية فتحت مساحة للحريات الاجتماعية. فيه كمان تأثير مهاجرين تايوان المرتبطين بالوطن في أمريكا وأوروبا اللي كانوا بيجيبوا معاهم خطاب حقوقي مختلف. والأهم، المحكمة الدستورية التايوانية أصدرت حكماً ٢٠١٧ بيقول إن منع الزواج المثلي مخالف للدستور،  وأعطت البرلمان سنتين يشرّع فيهم. الضغط القانوني والضغط الشعبي اشتغلوا مع بعض.

الهند قصتها أكثر تعقيداً وأكثر أهمية لفهمنا كمجتمعات ليها تراث عريق. المادة ٣٧٧ اللي كانت بتجرّم الجنس غير الطبيعي وكانت بتُستخدم ضد المجتمع الكويري أصلها من القانون الجنائي البريطاني سنة ١٨٦٠، يعني من الاستعمار. الباحثون في التراث الهندي بيشيروا إن التراث الهندوسي القديم كان أكثر مرونة في التعامل مع التنوع الجنسي تماثيل معابد خاجوراهو وبعض النصوص القديمة شاهدة على ده. المحكمة العليا الهندية ألغت المادة ٣٧٧ سنة ٢٠١٨ في حكم تاريخي وصفته بأنه تصحيح لخطأ استعماري مش تبنّي لقيم غربية وده فارق خطابي مهم جداً.

بس الفجوة بين الاعتراف القانوني والواقع الاجتماعي في الهند لسه واسعة. في المدن الكبيرة زي مومباي ودلهي، فيه مجتمع كويري نشيط ونابض. في الريف والمناطق المحافظة، الموضوع مختلف تماماً. ده بيعلمنا إن القانون خطوة، مش نهاية الرحلة.

اليابان مثال مثير للتأمل من زاوية تانية. مفيش قانون صريح بيجرّم المثلية في اليابان من سنة ١٨٨٠ بس كمان مفيش اعتراف قانوني بالشراكات أو الزواج على المستوى الوطني لحد دلوقتي. التغيير بيحصل على مستوى المدن طوكيو وعدد كبير من المحافظات بدأت تُصدر “شهادات شراكة” لها قيمة رمزية وبعض الفوائد العملية. المجتمع الياباني بيتعامل مع الموضوع بطريقة مختلفة مش بالرفض العلني الحاد، لكن بنوع من الصمت الاجتماعي اللي هو في حد ذاته شكل من أشكال الإقصاء.

أفريقيا وبواقي الاستعمار

الصورة الأفريقية من أكثر الصور إثارة للجدل التاريخي وفيها معلومة بتقلب كتير من النقاشات رأساً على عقب.

القوانين اللي بتُجرّم المثلية في معظم الدول الأفريقية مش من التراث الأفريقي الأصيل دي قوانين استعمارية بريطانية وفرنسية وبرتغالية فُرضت على المستعمرات في القرن التاسع عشر وأوائل العشرين. الباحثون في الأنثروبولوجيا الأفريقية وثّقوا وجود أشكال متنوعة من التنوع الجنساني والجنسي في ثقافات أفريقية ما قبل الاستعمار من “أزواج النساء” عند الزولو لأدوار الجنس الثالث عند شعوب تانية. لما السياسيين الأفارقة بيقولوا “المثلية وافدة من الغرب” الحقيقة التاريخية إن اللي وافد من الغرب هو التجريم نفسه.

جنوب أفريقيا هي الاستثناء الأبرز في القارة. بلد عندها تاريخ فصل عنصري وقمع ممنهج وبرضه كانت أول دولة في أفريقيا وواحدة من أوائل في العالم تُدرج حماية المثليين صراحة في دستورها سنة ١٩٩٦. كمان الزواج المثلي تم إقراره ٢٠٠٦.

الرابط بين النضال ضد الفصل العنصري والنضال الكويري مش مجرد شعار ده كان واقع تنظيمي. ناس زي سيمون نكولي، الناشط الأسود المثلي اللي كان عضو في الكونغرس الوطني الأفريقي، جمع بين النضالين بشكل شخصي وتنظيمي. دستور ما بعد الفصل العنصري كتبه ناس فاكرين بشكل حي إيه معنى إن الدولة تُعامل فئة من مواطنيها كأنهم أقل وقرروا إن ده ما يتكررش بأي شكل.

رواندا نموذج مختلف ومثير. بعد إبادة ١٩٩٤ أكتر من تمنمية ألف شخص اتقتلوا في مية يوم رواندا دخلت في مسار إعادة بناء وطني شامل. المثلية مش مُجرَّمة قانونياً في رواندا، والحكومة بشكل رسمي بتتجنب الخطاب العدائي تجاه المجتمع الكويري بس الواقع الاجتماعي لسه صعب. بعض الباحثين بيشيروا إن تجربة الإبادة خلّت جزء من النخبة السياسية أكثر حذراً في خطاب “تجريم الآخر” بأي شكل.

كينيا وأوغندا من الناحية التانية نماذج من الاتجاه المعاكس بلاد زاد فيها التجريم والعقوبات في السنوات الأخيرة، وفي أوغندا وصلت لمستويات خطيرة جداً. الباحثين بيوثّقوا دور منظمات دينية أمريكية محافظة في تمويل وتشجيع هذه الموجة التشريعية أي إن التأثير “الخارجي” في الاتجاهين موجود وموثّق.

مفيش نموذج للتغيير لكن فيه حتمية

لو واحد قعد يحلل التجارب دي كلها مع بعض، هيلاقي خيط مشترك مش تقدم اقتصادي أو “غرب” أو “تحضر” بالمفهوم الشائع. الخيط المشترك هو: وجود مجتمع منظم قادر يتكلم ويطالب ويستمر، تقاطع مع مؤسسة قانونية أو قضائية عندها استقلالية نسبية، وغالباً سياق سياسي بيفتح نافذة سواء كانت نهاية استبداد أو إعادة بناء ما بعد أزمة أو تحول ديمقراطي.

والملاحظة الثانية المهمة: التغيير القانوني والتغيير الاجتماعي ما بيجوش مع بعض دايماً. في كل البلدان دي بدون استثناء، فيه فجوة وأحياناً كبيرة بين اللي القانون بيقوله واللي الناس بتعيشه يومياً. القانون باب، مش بيت.

الصورة الأفريقية من أكثر الصور إثارة للجدل التاريخي وفيها معلومة بتقلب كتير من النقاشات رأساً على عقب.

وإحنا فين؟

مصر عندها تاريخ مركب في الموضوع ده. التراث الأدبي العربي الكلاسيكي من الشعر العباسي لحد أدب القرن التاسع عشر فيه حضور صريح ومعترف بيه لما سُمي لاحقًا “هوية كويرية”. الهوية الكويرية اللي ظهرت في مناهضة أحداث كوين بوت 2001، وأحداث رفع العلم 2017، ثم أخيراً التقرير الدوري الشامل لحقوق الإنسان لمصر 2025  قدام الأمم المتحدة واللي المجموعات الكويرية شاركت فيه.  القانون المصري ما فيهوش نص صريح بيجرّم المثلية الملاحقات بتتم بموجب قوانين “الفجور” و”انتهاك الآداب العامة”، وهي قوانين مطاطة بتسمح بتطبيق انتقائي. لكن ده مش لاغي حقيقة التواجد الكويري وغير ملايين المواطنين السُمر المكافحين ال كوير بألف ولام فيه وسط النخب في أماكن كتير ناس كتير سواء في منظمات المجتمع المدني، مؤسسات الدولة، دواير المثقفين، الطبقة الصاعدة والطبقة المتشبثة وفي كل حتة تقريباً وهو الطبيعي واللي بيكفل حتمية النتيجة: هناخد حقوقنا!!!

للمجتمع الكويري المصري

التاريخ اللي قريناه مع بعض مش بيقول إن التغيير هيجي بكرة ده وعد ما يقدرش يقوله حد بأمانة. بس بيقول بوضوح إن التغيير حصل في أماكن اتقال فيها مستحيل، وإن الناس اللي عاشت في أصعب اللحظات في مسيرات البرايد الأولى في بيونس آيريس – الأرجنتين، وفي قاعات المحاكم في دلهي – الهند، وفي شوارع تايبيه – تايوان، كانوا بيفكروا في جيل جاي مش في نفسهم بس.

الإحساس بالإرهاق والخوف كتير مش شخصي ده رد فعل طبيعي لسياق صعب. والأكيد إنكم مش لوحدكم في ده. مصر العزيزة فيها ناس بتحب وبتحس وبتحلم  وده، بغض النظر عن أي حاجة تانية، مش هيقدر حد يمسحه.

Picture of طوني عادل

طوني عادل

شاركوا المقالة

مقالات الرأي تعكس آراء أصحابها، ولا تمثل بالضرورة توجهات مركز صالون.

شاركوا المقالة

التصنيفات:

مقالات هتعجبكوا

الحقوق الكويرية جات إزاي في الجنوب؟!

الرجل الأبيض مش ممكن يعني تروح لحد في أمريكا سنة ١٩٥٠ وتقول إن بعد

سرديات عابرة لم تعبر

في صباح يومٍ من أوائل تسعينيات القرن الماضي الطبيب بارك لوالدتي قائلًا: “مبروك جالك