سرديات عابرة لم تعبر

في صباح يومٍ من أوائل تسعينيات القرن الماضي الطبيب بارك لوالدتي قائلًا: “مبروك جالك ولد” في حين كنت أطلق أولى صرخاتي رفضًا لتلك الحياة التي لم أخترها ولم يبدي أحدٌ أي أهمية لاعتراضي ذاك، وصارت تلك بداية لظلم مجتمعي ظل يطاردني أعوام طويلة في صورة امتياز قد أعطاه لي المجتمع.

لا أتذكر في السنوات الأولى من طفولتي أن أحدًا كان يردد لي أني ذكرًا ولا أتذكر توجيهات لعمل أشياء بدلًا من غيرها على إدعاء أنها تناسب الفتيات عوضًا عن الفتيان وربما لأن اهتماماتي لم تختلف عن معايير المجتمع للذكور ولكني أتذكر تلك المشاعر التي لم أفهمها لقصور قدراتي اللغوية للتعبير عما بداخلي وقتها.

صرت أكبر يومًا بعد يوم وصارت تلك المشاعر تكبر بدورها وتأبى أن تتركني وشأني. طوال تلك السنوات ظل المجتمع يغرز بداخلي مميزات كوني مصنفة صبيًا -وقتها- وبدأت أحظى بامتيازات لا يمكن رفضها وظلت تترسخ بداخلي ذكورية سامة ودحض للنساء وربما ساهمت تلك الذكورية في دفن مشاعري غير مفهومة تلك.

 وكلما تخيلت أن النسوية باتت مترسخة بداخلي، تفاجئني إحدى ردود أفعالي وأفكاري بأنني مازلت مستعبدة لأفكار ذكورية أخرى

صرت طفلة ثم مراهقة ثم شابة ذكورية ترى أن الرجال أعلى مقامًا من النساء. ولكن في تلك الأثناء بينما كانت تترسخ أفكار وقيم المجتمع الهشة بدأت رحلة صراع – امتدت لعقدين على الأقل –  باعترافي أولًا بذكوريتي السامة والتي ساهم الكثيرات/ين من حولي – بشكل كبير وربما غير مقصود – في إدراكي لها، ثم محاولاتي الجادة للتخلص من تلك الذكورية المتأصلة في أفعالي وكلماتي وحتى أفكاري التي تعلمت أن أراقبها مليًّا حتى لا أستسلم لها

وكلما تخيلت أن النسوية باتت مترسخة بداخلي، تفاجئني إحدى ردود أفعالي وأفكاري بأنني مازلت مستعبدة لأفكار ذكورية أخرى أكثر خبثًا متخفية خلف أقنعة عدة منها التسلط خلف قناع القلق، والتحكم خلف قناع الحب.

توصلت إلى أن تلك الذكورية ستظل تحاربني بطرق أكثر مكرًا كلما تغلبت عليها في معركة ما وعليَّ أن أبقى يقظة طوال الوقت. ولكن لا يمكن إنكار أن تلك المعركة النسوية جعلتني أشعر بالفخر كوني – مصنفة ذكرًا – لأنني أفضل التنازل عن كل تلك الامتيازات وأن أدافع عن المساواة وسط مجتمع يسير للخلف في كل ما يتعلق بالحقوق والحريات وبالأخص نحو النساء، ولكن ما لم أستطع ربطه أن تلك المعركة كانت من أجل أن أقبل نفسي.

مرة أخرى اصطدم بتلك المشاعر التي لم أفهمها والتي ظلت تفصح عن نفسها يومًا بعد يوم حتى قبل وصولي سن البلوغ الجنسي كنت أتمنى أن أصير فتاة وأسأل لماذا ولدت على هذا النحو؟ وصار ذلك السؤال يتبدل إلى لماذا لا أقبل أني فتى؟؟ فهل أنا الوحيدة بالعالم التي تشعر هكذا؟

بلغت جنسيًا وأصبحت هويتي تتقاطع مع رغباتي الجنسية وما زاد الطين بلة، عدم قدرتي على فهم مشاعري حتى صرت أشعر بالخزي وأني مريضة وغير سوية، فكيف لي أن أرغب في أن أنتمي للنوع الأقل مقامًا في المجتمع؟ وكيف لي أن أرفض كل الامتيازات التي منحني إياها العالم؟ وربما كان كرهي للنساء ما هو إلا مجرد إسقاطًا لكراهيتي لذاتي وبالأحرى إحساسي بالغيرة تجاهن.

صرت لسنوات أقنع نفسي بأن ذلك الجانب سرًا لا يمكن أن أشارك به أحدًا. ولكن ما لم أعرف إجابته أبدًا هل سيبقى ذلك السر في مأمن عن شريكة حياتي؟

هنا كان الصراع الثاني مع المسَلَّمَات والتابو الآخر وهو الجنس، في وسط مجتمع يحرم الحديث عن الجنس ويختزله كوسيلة للإنجاب فقط بين امرأة ورجل متزوجان، وصرت أستقي معلوماتي عن الجنس من أحاديث زملاء الدراسة والأصدقاء الذكور ومشاهدة الأفلام الإباحية مما يعني أن مصدر معلوماتي كله كان من منظور ذكوري أو من محتوى مخصص لإشباع الذكور.

صرت لسنوات أقنع نفسي بأن ذلك الجانب سرًا لا يمكن أن أشارك به أحدًا.

لم أحظَ حتى بصديقة نتشارك معًا بحرية عن جنسانياتنا وأن أكتشف ذاتي معها عندما كنت في أشد الاحتياج لذلك، فضلا عن صراعي وقتها مع قبولي لمجتمع الميم/عين -الذي كنت أتخيل أني لا أنتمي له- وذلك أيضًا بسبب رفض المجتمع له وتسميته “بالشذوذ” وترسيخ مرة أخرى ثوابت تنبذ الحب ولا يمكنها أن تتهاون في وجوده في حين قبول القتل والعنف والهيمنة وربما تقنين كل ما سبق.

وهو الأمر الذي دفعني أن أرفض تلك الثوابت وكيف لي أن أستقي ثوابتي من مجتمع مشوه لتبدأ رحلة تبدل مفهوم الجنسانية لدي من نمط الرجل المهيمن الذي يجامع المرأة الخاضعة إلى عدد لا نهائي من الأنماط والأشكال والميول الجنسية المختلفة التي لا حصر لها وتوسع مفاهيم مثل تعدد الهويات الجندرية وعدم قصورها على النظام الجندري الثنائي إلى طيف يتسع لمحايدي الجندر ولا ثنائيي الجندر ومرني الجندر وغيرهمن من الكثيرات والكثيرين، وكانت أيضًا تلك الرحلة هي بمثابة محاولة العثور عن الإنتماء وإيجاد نفسي خارج الأطر التي فرضها عليَّ المجتمع قهرًا.

طوال تلك الرحلة لم أصرح لذاتي بأني فتاة، ليس لأني أحب لعبة كرة القدم وألعاب الفيديو والكمبيوتر وهي الأشياء التي كنت أتخيل أنها تعني أنني لست “فتاة بما يكفي”، بل لعدم جاهزيتي. وعندما بدأت في رحلة بحثي عن تفسير لمشاعري في فضاء الإنترنت الذي كان – آنذاك – مساحة جديدة آمنة للبحث كانت كل قصص العابرات جندريًا تحمل نمطًا واحدًا وهي أن أي عابرة “ولدت في الجسد الخاطئ” وكانت تحلم منذ طفولتها بأن تلعب بالعروسة الباربي ولا تحب اللعب بالسيارات وكانت تعبر عن أنها تريد أن تلبس ملابس الفتيات وأنها لا تستطيع إخفاء تلك المشاعر الأنثوية، فلم تكن تلك التجارب لا تعبر عني فقط ولكنها تحمل اختزال ساذج لمسيرات فردانية خاصة تتعدد بتعدد البشر أنفسهم. ولا يمكن إخفاء العلاقة الطردية بين الشعور بفقدان الثقة بالنفس وضرورة البحث عن الانتماء وكيف من شأن ذلك الفشل أن يزيد من وحدتي، حتى وإن لم أكن وحيدة. وكيف أن العكس يمدني بالطمأنينة ويعطي شرعية لوجودي وحقي في الحياة.

عند نقطة تلاقي مسيراتي للانفتاح؛ النسوية والجنسانية وحتى الانسانية صرت مستعدة لأن أواجه أنوثتي بفخر لا عار، وحينها فقط لم يعد باستطاعتي كبت هويتي أكثر من ذلك وبفضل بعض العوامل الخارجية الأخرى ووجود مساحة تعبير آمنة إستطعت البوح لأخريات/ين، وتلك كانت بداية جديدة لسيل من الاكتشافات عن ذاتي وعن أنوثتي التي أحاول أن أعوض ما فاتني منها ولا تزال أمامي رحلة أتشوق لها. وبالرغم من تلك الرحلة الشاقة وبالرغم من ندمي على اللحظات التي ضاعت مني قبل “خروجي من النيش” إلا أنني أعي تمامًا أن تغيير أي محطة سابقة في حياتي تعني التنازل عن رحلتي الغنية والتي كانت تحمل الكثير من السعادة في طياتها لم يتسع المقال لسردها ولكني أدين أيضًا لتلك المسيرة كما هي وأسعى لاكتشافات وخبرات جديدة، ربما لا أدركها الآن، لذا سأعبث مع الحياة حتى أَعْبُر لاكتشافات جديدة.

شاركوا المقالة

مقالات الرأي تعكس آراء أصحابها، ولا تمثل بالضرورة توجهات مركز صالون.

شاركوا المقالة

التصنيفات:

مقالات هتعجبكوا

الحقوق الكويرية جات إزاي في الجنوب؟!

الرجل الأبيض مش ممكن يعني تروح لحد في أمريكا سنة ١٩٥٠ وتقول إن بعد

سرديات عابرة لم تعبر

في صباح يومٍ من أوائل تسعينيات القرن الماضي الطبيب بارك لوالدتي قائلًا: “مبروك جالك