الهوموفوبيا في نقابة الصحفيين

الهوموفوبيا، أو رهاب المثلية الجنسية، مفهوم لا يُؤخذ غالبًا على محمل الجد في الوطن العربي. فالعقلية الشعبوية لا تفهمه بسهولة، بما يفتح الباب أمام تساؤلات يغلب عليها السخرية، وتتجلى في التعبير الدارج في الميمز: “يعني إيه هوموفوبيا؟ إيه اللي يخوّف في واحد بياخد فيها؟”

الخوف، وفق هذا التصور الشعبي، يرتبط فقط بموازين القوة: شخص أخاف أن يؤذيني، فأتجنبه أو أتملقه. لكن بالنظر إلى ما جرى مؤخرًا داخل نقابة الصحفيين، سنجد أن للخوف معاني أوسع بكثير، وأن الهوموفوبيا متأصلة داخل المجتمع، حتى في الأوساط التي يُفترض أنها أكثر ثقافة وانفتاحًا.

“يعني أنت عايز العيال الشواذ يدخلوا النقابة ويبقى لهم حقوق؟”

ميثاق الشرف ناقص

كان مشروع ميثاق الشرف الصحفي قد انطلق في المؤتمر العام السادس لنقابة الصحفيين، في ظل غياب ميثاق يعمل به، بعد سقوط الميثاق القديم بسقوط قانون تنظيم الصحافة السابق، واستبداله بقانون تنظيم الصحافة والإعلام الصادر عام 2018.

حاولت اللجان المعنية بتقديم مقترحات بنود الميثاق تطوير النسخة القديمة، عبر إدراج بنود جديدة، مثل كود خاص باستخدام الذكاء الاصطناعي في الصحافة، وبنود تتعلق بمنع الحبس في قضايا النشر، وبالطبع كود خاص بالمساواة بين الجنسين، وعدم التمييز، وتجنب الصور النمطية. ومن خلال لجنة الحريات، ظهر ما عُرف بـ (كود الجندر)، بوصفه كودًا متخصصًا في هذا الجانب.

حاول مقررو الكود استخدام تعبير حقوقي وعلمي أكثر دقة، وهو “النوع الاجتماعي”، بدلًا من الاكتفاء بكلمة “المساواة” وحدها، باعتبارها أقرب إلى شعار فضفاض وعائم. ورغم وضوح الكود في أنه لا يتطرق إلى أي قضايا سوى المساواة بين الرجال والنساء، ولا يتناول أي فئات جندرية أخرى أو قضايا خاصة بمجتمع الميم، فإن إعلان الميثاق رسميًا في 3 مارس 2026 فجّر الوضع سريعًا داخل أروقة النقابة.

“يعني أنت عايز العيال الشواذ يدخلوا النقابة ويبقى لهم حقوق؟”هذه الجملة، التي قيلت لي وجهًا لوجه من أحد أعضاء مجلس النقابة، تلخص رؤية قطاع من الجمعية العمومية، وكثير من أعضاء المجلس، تجاه الكود. فلفظ “جندر” في ذاته يفتح لديهم الباب مباشرة أمام الحديث عن حقوق مجتمع الميم، أو حقوق “الشواذ”، كما يصر البعض على استخدام هذا الوصف المهين. حدث ذلك رغم أن الكود لم يذكر صراحة أي فئات خارج إطار النساء والرجال، وكان هدفه نسويًا بحتًا.

اتهامات للمعترضين

إلا أن الغضب انتشر سريعًا، وتوالت الاتهامات والإساءات. حضرت تهمة “الأجندات” الجاهزة، واتهامات التمويل الغربي لإفساد المجال الصحفي. لماذا كل هذا؟ لأن مجرد استخدام لغة حقوقية قد يُفهم، في نظرهم، باعتباره محاولة لجعل المجال الصحفي المصري أكثر حيادًا وإنصافًا في التعامل مع الفئات الجندرية والأقليات الجنسية. ورغم أن التعامل المهني والمحايد حق لكل فئة في المجتمع، فإن مجرد فتح باب الحياد تجاه المثليين في مصر بات، بالنسبة لهم، تهمة في حد ذاته.

الخوف من تهمة المثلية، أو دعم المثلية، خوف يسيطر على العقول داخل المجال الصحفي بصورة متجذرة. لذلك لم يكن غريبًا أن تعقد نقابة الصحفيين، بعد أيام، جلسة مشاورة حول الميثاق، كان واضحًا أنها مخصصة عمليًا لمناقشة كود الجندر. لكنها لم تكن مناقشة حقيقية بقدر ما كانت جلسة تقديم قرابين، تم فيها التضحية بالكود بصيغته الحالية، واستبدال كلمة الجندر بتعبير المساواة بين الجنسين، بما يؤكد ضمنيًا عدم السماح لأي فئات أخرى بأن تكون جزءًا من الميثاق.

هكذا انحصر تصور الحيادية الصحفية في مصر مع الفئات النمطية فقط ذكر وأنثى، مغايران جنسيًا، لا أكثر.

نسخة جديدة بفكر رجعي

 خرجت النسخة الجديدة من الميثاق في 14 أبريل 2026، معلنة عمليًا سيطرة أصوات الكراهية داخل النقابة. لم يُطرح الكود حتى للتصويت، بل جرى تجاوزه تحت عنوان الاستجابة للنقاشات الدائرة:

“استجابةً للنقاشات الدائرة حول ميثاق الشرف الصحفي، تم إعداد نسخة معدلة من الميثاق، تأخذ في الاعتبار الملاحظات والتوصيات المطروحة من الزملاء.”

تعكس هذه الصياغة درجة الخوف من الهجوم، وتكشف كيف ضُربت بعرض الحائط توصيات اللجان، وتوصيات المؤسسات الحقوقية، ومحاولة تحديث لغة الميثاق في التعامل مع القضايا الجندرية بصورة أكثر دقة وشمولًا.

بعد سنوات، جاءت واقعة كود الجندر لتستكمل رحلة الكراهية الإعلامية تجاه هذه الفئات.

وبالطبع، لم تصدر جهة صحفية أو حقوقية مؤثرة اعتراضًا واضحًا بالقدر الكافي. فوصاية الأخ الأكبر ما زالت حاضرة. كان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قد وضع، مسبقًا، قيدًا صارمًا على التناول الإعلامي والصحفي لقضايا مجتمع الميم، حين أعلن بعد واقعة رفع علم الرينبو في حفل مشروع ليلى عام 2017:

“يحظر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام الترويج لشعارات المثليين أو نشرها، لأن المثلية مرض وعار يحسن التستر عليه لا الترويج لإشاعته، إلى أن يتم علاجه والتخلص من عاره، حفاظًا على السير والأخلاق العامة، واحترامًا لقيم المجتمع وعقائده الصحيحة. كما أن الترويج لهذه الشعارات هو إفساد للمجتمع ينبغي أن يلقى جزاءه.”

بهذا البيان، قضى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام على أي إمكانية لتغطية عادلة أو محايدة لقضايا الأقليات الجنسية والجندرية في مصر. وقد استسلمت المؤسسات الصحفية والإعلامية لهذا التوجه سريعًا، خصوصًا بعد وقف قناة LTC أسبوعين فقط بسبب استضافة الإعلامي محمد الغيطي لشاب مثلي.

الكراهية مستمرة والصحافة تشعلها

وبعد سنوات، جاءت واقعة كود الجندر لتستكمل رحلة الكراهية الإعلامية تجاه هذه الفئات. فهي لا تغلق الباب فقط أمام أي طرح صحفي داعم لمجتمع الميم، بل تغلقه أيضًا أمام أي طرح محايد أو عادل، وتضع أي مؤسسة تحاول الاقتراب من هذا الملف تحت تهديد الوقف أو الحجب، كما تضع الصحفيين أنفسهم تحت تهديد الحبس، وتقييد الحرية، والإيقاف عن العمل.

تكشف واقعة كود الجندر أن الهوموفوبيا، التي ينكر المجتمع وجودها أو يسخر منها، ليست هامشية أو عارضة، بل هي فكرة أصيلة في العقل الجمعي المصري. فكل هذه المحاولات لحصار الأقليات الجنسية والجندرية، وإغلاق الأبواب في وجوهها، تنبع من خوف مجتمع يعتقد أن المثلية فكرة دخيلة أو مرض أو مؤامرة موجهة ضده.

إنه يخاف من اليوم الذي يقف فيه شخص يصفه هو بـ (الشاذ) إلى جواره، حاملًا الحقوق نفسها والفرص نفسها. يخاف أن تمتلك هذه الفئات صوتًا تعبر به عن وجودها ومشكلاتها، رغم أنه لا يدرك بدقة كيف يمكن لهذا الوجود أن يؤذيه، انه ببساطة يخاف من شيء لانه لا يفهمه ولا بشبهه ولم يعتاد علي وجوده.

قلعة الحريات هو الوصف الدارج لنقابة الصحفيين. لكن بينما كان يُفترض أن تحمل هذه المؤسسة قدرًا أكبر من الانفتاح والتقدم، وأن تكون أكثر اتصالًا بتنوع المجتمع وفئاته، أثبتت الواقعة أنها لا تزال واقعة تحت أسر أفكار رجعية قديمة، وهوموفوبيا خام، أسكتت أصواتًا كثيرة آمنت بالكود في صيغته الأولى، لكنها خافت فقط من أن يُقال عنها: شاذة.

Picture of احمد فتحي

احمد فتحي

شاركوا المقالة

مقالات الرأي تعكس آراء أصحابها، ولا تمثل بالضرورة توجهات مركز صالون.

شاركوا المقالة

التصنيفات:

مقالات هتعجبكوا

من صفحات روبرت جرين إلى الشاشة الملونة: الإغواء الكويري كمقاومة.

ماذا بعد؟ في المقال الأول، توجد رحلة تعبر تسعة أفلام كويرية وتكشف كيف تتجسد

الهوموفوبيا في نقابة الصحفيين

الهوموفوبيا، أو رهاب المثلية الجنسية، مفهوم لا يُؤخذ غالبًا على محمل الجد في الوطن

الحقوق الكويرية جات إزاي في الجنوب؟!

الرجل الأبيض مش ممكن يعني تروح لحد في أمريكا سنة ١٩٥٠ وتقول إن بعد