بنتكلم أنا وصاحبي ذات يوم عن حاجة بدت بسيطة في الأول، بس كل ما اتكلمنا فيها، اتعمّقنا أكتر وأكتر. قالي: إيه رأيك، لو كل واحد عرف حد كوير في حياته، هيتغير إيه؟ قلتله: “كل حاجة. قاللي: مش متأكد.
ومن هنا اتفتح نقاش طويل…
إيه رأيك، لو كل واحد عرف حد كوير في حياته، هيتغير إيه؟
الحكاية اللي قالت كل حاجة
في كلية ما، كان في طالب بيدرس مع زمايله في نفس التيم. الولاد في الأول ما كانوش قادرين يتجاهلوا إنهم عارفين عنه حاجة. بس الوقت عدى، والمشاريع اتعملت، والصراحة بدأت. وبدل ما يفضل الغريب في المجموعة، أصبح الشخص اللي بيضحك معاهم، اللي بيساعدهم في الشيت، اللي بيبعت صورة في الجروب ويقول ده أنا. لدرجة إن الكومنتات الكوير أصبحت جزء من ضحكهم اليومية، من غير لفت نظر، من غير تعليق.
وكان في حد تاني في نفس البيئة. نفس الإمكانيات، ربما أفضل في الأداء الأكاديمي. بس لما اتعرف عنه نفس الشيء، المسافات اتعملت قبل ما تتعمل جسور. وانتهى بيه الحال في مشاريع مع فريق البواقي اللي ما حدش بيختاره، يستخدم وقته وطاقته لتعويض حاجة مش تقصير منه.
نفس الوسط. نفس السياق. نتيجتين مختلفتين تمامًا.
السؤال مش: ليه الأول نجح والتاني فشل؟ السؤال: إيه اللي حصل في الميديا دي خلّى الشخص الأول يقدر يبني جسور والتاني لقى قضبان؟
طيب تتحسب إزاي بالعقل والمنطق؟
في عام 1954، طرح عالم النفس الاجتماعي غوردون ألبورت ما يُعرف بفرضية التواصل بين المجموعات فكرتها الجوهرية إن التحيز والتعصب بيتراجعوا لما بني آدم يتعامل بشكل حقيقي مع شخص من المجموعة اللي كان هايبها أو رافضها. مش مجرد وجود في نفس المكان، لكن تواصل حقيقي: في إطار من التكافؤ، لتحقيق هدف مشترك.
في تحليل موسّع شمل 515 دراسة و713 عينة مستقلة، وجد الباحثان بيتيغرو وتروب سنة 2006 إن التواصل الشخصي يُقلل الانحياز فعلًا والأهم من ده، إن كان في تأثير أكبر من المتوسط في حالة التواصل بين الأشخاص الاستريت ومجتمع الميم. يعني: لو كنت عايز دليلًا إن الاقتراب البشري بيغيّر القلوب، فمجتمع الميم هو مثال واضح في الأدبيات العلمية.
الآليات النفسية اللي بتفسّر ده واضحة: التواصل بيقلل من القلق والخوف اللي بيصاحب التعامل مع الآخر المختلف وتحت المختلف شرطة طبعاً، وبيزيد من قدرة الشخص على التعاطف مع تجربة حياة مختلفة عن تجربته.
بمعنى أبسط: الخوف من المجهول هو العدو الأول. ولما المجهول يبقى صاحبك في الجروب، بيبعت ميمز، وعنده نفس معاد الامتحان زيك، الخوف ده بيتذوّب بهدوء.
التناقض بين أفكار الناس ومشاعرها
في علم النفس، في مفهوم اسمه التنافر المعرفي أو Cognitive Dissonance ده لما يبقى عندك اتجاهين في رأسك بيتعاركوا مع بعض. مثلًا: أنا بكره الناس الكوير من ناحية، ولكن صاحبي ده كوير وهو إنسان محترم وبيساعدني وبيضحك معايا من ناحية تانية.
الدماغ البشري مش بيقدر يتحمل الموقفين دول لفترة طويلة. فبيعمل إيه؟ في الغالب بيبدأ يعيد رسم القاعدة العامة. مش لأن في خطاب مباشر وصله، لكن لأن التجربة المعيشية المباشرة أقوى من أي رسالة.
وده بالظبط اللي حصل مع الزمايل في الحكاية الأولى من غير ما حد يقولهم غيّروا رأيكم، غيّروا رأيهم.
الموجة ماشية لوحدها
السؤال الكبير اللي اتكلمنا فيه أنا وصاحبي: لو ألف طالب في الجامعات المصرية اتعرفوا بشكل حقيقي على إنهم حد كوير وده في المساحات الآمنة أو الأقل خطراً، وكل واحد منهم غيّر وجهة نظر عشرة من صحابه يبقى فيه كام حد كوير فريندلي؟ ولو ألف دكتور أو مهندس أو مدرس في حياته المهنية حصلت عنده نفس التجربة، وانعكست على طريقة تعامله مع المرضى والطلاب والزملاء ف أمتا المجتمع يحسّ بالفرق؟
ده مش خيال. دي طريقة العلم بيهمس بيها أحياناً، لكن بتراكم التجارب الإنسانية الفردية اللي بتبني وعي جمعي جديد.
في أبحاث فرضية التواصل شبه الاجتماعي، تبيّن إن حتى التعرض غير المباشر زي سماع قصة شخص كوير من صديق أو رؤية تجربة ما على وسائل التواصل مرتبط بتراجع مستويات التعصب. يعني: حتى لو ما اتعرفتش شخصيًا على حد، القصص والحكايات بتعمل نفس الشيء بشكل أبطأ.
لكن… ليه الأمر مش بالبساطة دي؟
لو التواصل وحده كفيل بتغيير العالم، كان المفروض إن الأمور اتغيرت منذ زمان. الحقيقة إن التواصل لوحده مش كافي.
نبّه ألبورت نفسه إن التواصل السطحي من غير عمق حقيقي، ومن غير تكافؤ في المكانة وهدف مشترك، أنه لو زاد التواصل زادت المشاكل. الاقتراب الشكلي من غير جسر حقيقي قادر يكرّس التحيز بدل ما يكسره.
والنموذج التاني في قصتنا الشخص اللي تم إبعاده هو مثال حي على ده. وجوده في البيئة لم يكن كافيًا لأن البيئة لم تتح شرط التكافؤ، عشان الإقصاء سبق أي فرصة للتواصل الحقيقي أو التقييم العادل.
وهنا يطرح المجتمع الكوير في مصر والعالم العربي سؤالًا حرجًا: إزاي نبني جسور التواصل لما المجرد الظهور بيكون محفوف بالخطر؟ إزاي نطالب بالتواصل الحقيقي في سياق فيه الرؤية نفسها تمنها غالي وعالي؟
ده مش سؤال بلاغي. ده قلب المعضلة.
لو التواصل وحده كفيل بتغيير العالم، كان المفروض إن الأمور اتغيرت منذ زمان.
بين مرايتين
القصتين اللي بدأنا بيهم مش مجرد حظ أو صدفة. هما بيكشفوا عن شيء جوهري: التغيير ممكن، لكنه ليس حتميًا. هو رهين بسياقٍ بيستوعب أو يرفض، برغبة حقيقية في رؤية الآخر كإنسان أولًا، وبشجاعة الشخص الكوير نفسه في اثبات وجوده وده أصعب حاجة في المعادلة.
اللي بيلفت النظر إن في الحالتين الانفتاح والإقصاء مش كان في خطاب توعوي، ولا محاضرة، ولا قرار مؤسسي. كل اللي حصل كان بشر مع بشر. تفاعلات عادية اتراكمت وبنت أو هدمت.
وده يحمل في طيّه أمل وخوف في نفس الوقت. الأمل: إن التغيير يحصل في أي مكان وأي لحظة، من غير إذن حد. الخوف: إن الإقصاء كمان بيحصل بنفس الطريقة بهدوء، تدريجي، من غير ما حد يقصد.
طيب تمام
مش هنقدر نقول دلوقت هل الوعي الجمعي في طريقه فعلًا للتصالح مع الاختلاف في مجتمعاتنا. مش عندنا إجابة جاهزة ومريحة. لكن اللي نقدر نقوله: كل تجربة إنسانية حقيقية بين شخصين مختلفين، فيها بذرة. وبذرة في تربة المودة، وإن كانت المودة بدأت بمشروع جامعي أو وردية شغل أو حتى ميم في جروب بذرة زي دي بتنمو.
السؤال مش هل ممكن؟
السؤال إحنا مستعدين ندفع ثمن البذرة دي وأحنا مش عارفين بجد هتكون إيه ثماراها؟
مصادر
- 1- مصدر
- 2- مصدر
- 3- مصدر