هل يمكن أن يؤذي الفن؟
عندما نتحدث عن دور السينما في تشكيل الوعي الجمعي، نجد أنفسنا أمام سؤال مهم: هل الفن حر حتى لو كان مؤذيًا؟ فعلى مدار عقود طويلة، قدمت السينما المصرية صورة مشوهة للمتعايشين مع فيروس نقص المناعة البشرية HIV، صورة لم تساعد على التوعية بقدر ما ساهمت في تعميق الوصم والخوف والجهل.
السينما ليست مجرد وسيلة ترفيه هنا، بل هي أداة قوية تشكل نظرتنا للعالم وللأشخاص من حولنا. وعندما تستخدم هذه الأداة بشكل غير مسؤول، تتحول من مساحة للوعي إلى مساحة للوصم والتمييز. في هذا المقال، نستعرض كيف ساهمت السينما المصرية في خلق صورة نمطية سلبية عن المتعايشين مع HIV، وكيف أثرت هذه الصورة على حياة أناس حقيقيين.
هذه الأفكار خرجت من الشاشة وعاشت في الشارع حتى اليوم وهناك أكثر من 50 ألف متعايش/ة يعانون نتيجة هذا الوصم، في العمل، وفي العلاقات الاجتماعية.
كيف صورت السينما المصرية المتعايشين مع HIV؟
المرض كعقاب وليس كحالة طبية
على مدار سنين طويلة، ارتبط HIV في الأفلام المصرية بالانحراف الأخلاقي، سواء كان إدمان المخدرات أو العلاقات الجنسية غير المسؤولة. نادرًا ما شاهدنا إنسانًا له أحلامه ومخاوفه وحياته اليومية. وغالبًا ما شاهدناه هو “مرض مخيف” فحسب، كأن الشخص المتعايش هو مجرد تشخيص طبي يمشي على قدمين وليس إنسانًا له حياته ومعاناته.
استخدمت السينما المرض كفضيحة وليس كقضية إنسانية تستحق الفهم والتعاطف. وتم تقديم HIV كعقاب إلهي وليس كأي مرض مزمن آخر يمكن التعايش معه وله علاج زي أي مرض. هذا التصوير خلق في أذهان الجمهور فكرة خاطئة مفادها أن المتعايش شخص “غلطان” يستحق ما حدث له.
المتعايش كفزاعة وتهديد
في معظم الأفلام، تم تصوير المتعايش كشخصية ضعيفة أو خطيرة، وكانت نهايته دائمًا حزينة ومأساوية. استخدمت السينما إضاءة مظلمة، وموسيقى تثير القلق، وحوارات مليئة بالتحذير، كل هذا ليزرع الخوف في قلوب المشاهدين بدلاً من أن يساعدهم على الفهم.
المرض تحول في الأفلام إلى رمز للانحراف والخطر، وليس إلى واقع طبي له علاج وحياة ممكنة. السينما ركزت على الرمز وتركت الحقيقة، فأصبح HIV دلالة على كل ما هو سلبي في المجتمع.
المرض كسلاح انتقام: فيلم “الحب والرعب” (1992)
يُعد فيلم “الحب والرعب” من بطولة شريهان ومحمود الجندي أحد أبرز الأمثلة على سوء استخدام HIV في الدراما. القصة تدور حول دكتورة تعود من أمريكا مصابة بالمرض، وينتقل الفيروس لحبيبها القديم، ثم يتحول المرض إلى أداة انتقام واستغلال.
الفيلم استخدم المرض كآلية درامية حادة وليس كقضية إنسانية. ركز على الانحراف الجنسي كسبب للمرض، مما عزز الأفكار السلبية لدى الجمهور. كما أن الفيلم ربط المرض بأنه “خلق غربي” جاء من أمريكا، مما أضاف بعدًا آخر من الوصم تجاه المتعايشين هنا.
هذه الأفكار خرجت من الشاشة وعاشت في الشارع حتى اليوم وهناك أكثر من 50 ألف متعايش/ة يعانون نتيجة هذا الوصم.
الرسالة المرعبة: فيلم “الحب في طابا” (1992)
فيلم آخر من التسعينيات يحكي قصة ثلاثة أصدقاء يسافرون لقضاء وقت ممتع في شرم الشيخ وطابا، حيث يتعرفون على سائحات أجنبيات. بعد قضاء وقت معهن، يكتشفون من خلال رسالة تركتها السائحات أنهن مصابات بـ HIV.
المشكلة في هذا الفيلم أن الشباب عاشوا في رعب المرض دون أن يقوموا بإجراء أي تحاليل للتأكد. الفيلم صور المتعايش على أنه يجب أن ينعزل ويترك أهله وأصدقابه رغم أن شبكات الدعم تساعد المتعايشين أكثر، وأشار بشكل خاطئ إلى أن حتى اللمس والمعايشة تنقل المرض. بل إن أحد الشخصيات انتهى بإنهاء حياته، مما يرسخ فكرة أن المتعايش لا يستحق الحياة.
الإشارة الخفية للمثلية الجنسية: فيلم “ديسكو ديسكو” (1993)
في هذا الفيلم، هناك مشهد يكتشف فيه أحد الشباب أنه مصاب بـ HIV عند التبرع بالدم لوالده. المشكلة أن الفيلم لم يوضح سبب الإصابة، هل كانت بسبب نقل دم، أم علاقة جنسية، أم استخدام حقن ملوثة؟
الأسوأ من ذلك، كانت هناك إشارة غير واضحة لشخصية على أنه مثلي، كأن الفيلم يلمح بشكل خفي إلى أن المثلية الجنسية قد تكون أحد الأسباب “الخفية” للمرض.
المرض كإشاعة للتخلص من الضحية: فيلم “اغتصاب” (1989)
في مشهد مؤثر من هذا الفيلم، تتعرض البطلة لمحاولة اغتصاب، وعندما تهرب وتلجأ لمعسكر شباب، يشيع المغتصبون أنها مصابة بالإيدز (هكذا يوحي الفيلم) لإجبارها على الخروج. والنتيجة؟ يطردها الشباب في المعسكر ويخافون حتى من لمسها.
هذا المشهد يوضح كيف استُخدم HIV كأداة خوف ووصمة في القصة، وكيف أن الصورة السينمائية للمرض كانت مرتبطة بالرعب والإقصاء.
المرض كفضيحة: “الأجندة الحمراء” (2000)
وهو فيلم من بطولة طارق علام وغادة عبد الرازق يحكي عن طبيب يكتشف أن صديقه مصاب بمرض جنسي سريع الانتشار بعد علاقات متعددة، فيبدأ رحلة بحث عن الأشخاص الذين اختلط بهم.
الفيلم يقدم HIV كجزء من خط تصوير الأمراض الجنسية، مع التركيز على المرض كعقاب ونتيجة لعلاقات “مشبوهة”، مع نظرة أخلاقية بدلاً من نظرة صحية وإنسانية للمتعايش.
الزواج القسري من مريضة: “زواج بالإكراه” (2008)
في هذا المسلسل، تنتقل العدوى لليلى (زينة) عبر نقل دم من سائقها المصاب. يجبر والدها الغني شابًا على الزواج منها بالتهديد، مما يجعل المرض جزءًا من صراع درامي معقد.
المسلسل قدم المرض كسبب للخوف ولإثارة الصراع وصورهم على أنهم أقل ويجب أن يرضوا بأي أحد (في الزواج) باعتبارهم أقل ومتعايشين، دون أي عمق إنساني أو علمي لواقع المتعايشين. وهذا مثال واضح على كيف تكرر الدراما التلفزيونية نفس الأخطاء السينمائية.
الاستثناء كان فيلم “أسماء” (2011)
في عام 2011، جاء فيلم “أسماء” من بطولة هند صبري ليقدم صورة مختلفة تمامًا. الفيلم يحكي قصة امرأة مصرية في الأربعينيات مصابة بـ HIV تعمل في مطار القاهرة لتعيل نفسها وابنتها بعد وفاة زوجها.
عندما تحتاج لعملية جراحية ضرورية، يرفض الأطباء إجراءها بسبب خوفهم من المرض. أسماء تخفي مرضها عن الجميع، لكنها تضطر في النهاية لمواجهة الحقيقة والمجتمع.
ما يميز هذا الفيلم أنه قصة واقعية مستوحاة من أحداث حقيقية لحياة متعايشين مع HIV في مصر، وأنه يتناول الوصم بشكل مباشر: يعرض رفض العلاج والمعاملة القاسية من المجتمع، وأن التناول فيه كان إنساني، الفيلم عن امرأة تحارب من أجل الكرامة، وليس فقط عن مرض، وكان في الفيلم رسالة واضحة حاولت تصحيح المفاهيم الخاطئة ومواجهة الجهل، وقد نجح هذا الفيلم في المهرجانات الدولية وكسب جوائز عديدة، بما فيها جائزة الجمهور في مهرجان فريبورغ بسويسرا.
الأفكار الخاطئة التي صنعتها السينما
السينما لعبت دورًا كبيرًا في ترسيخ أفكار خاطئة عن HIV، فصوّرت أن المتعايش خطر وهو ما تم تصويره دائمًا كتهديد وليس كإنسان عادي، وصورت المرض عقاب كذلك وارتبطت فيه الإصابة دائمًا بالذنب والغلط، وأن لا مستقبل للمتعايش فالشخصيات في الأفلام كانت تموت أو تختفي دائمًا، وأن المرض ينتقل بسهولة مع إيحاءات خاطئة عن طرق انتقال الفيروس، كل هذه الأفكار خرجت من الشاشة وعاشت في الشارع حتى اليوم وهناك أكثر من 50 ألف متعايش/ة يعانون نتيجة هذا الوصم، في العمل، وفي العلاقات الاجتماعية.
ما لم تقله السينما المصرية حتى اليوم
المشكلة ليست فقط في الصورة المشوهة التي قُدمت، بل أيضًا في ما لم يُقل عن المتعايشين والفيروس، فالسينما والدراما حتى اليوم، نادرًا ما أظهرت المتعايش يذهب لعمله ويعيش حياة طبيعية، وأن العلاج موجود والمتابعة الطبية متوفرة، والأمل واستمرارية الحياة ممكنة، والجوانب الإنسانية العادية للمتعايشين صعبة في مجتمعاتنا المليئة بالوصم.
هذا الصمت ليس بريئًا. عندما نرى فقط الألم والنهاية، نعتقد أن هذه هي القصة كاملة. غياب القصص الحقيقية جعل المرض يبقى غامضًا، والغموض دائمًا يولد الخوف، والخوف يولد الوصم.
السينما لعبت دورًا كبيرًا في ترسيخ أفكار خاطئة عن HIV، فصوّرت أن المتعايش خطر وهو ما تم تصويره دائمًا كتهديد وليس كإنسان عادي
الواقع مقابل الخيال
الحقيقة أن HIV مرض مزمن يمكن التعايش معه، لا ينتقل بالمصافحة أو المشاركة اليومية، المتعايش شخص كامل وليس تهديدًا، العلم تطور والعلاجات أصبحت فعالة، حياة المتعايشين تغيرت للأفضل.
لكن السينما ما زالت متأخرة خطوة عن الطب والعلم، نحن نحتاج لرؤية متعايشين كأشخاص عاديين لهم عمل وعلاقات وحياة كاملة.
تغير الفيروس وتطور علاجه، فهل تغيرت الصورة حتى اليوم؟
مع تطور العلم والعلاج، نتساءل: هل تغيرت الصورة السينمائية فعلاً؟ الإجابة البسيطة: ليس بالقدر الكافي. باستثناء فيلم “أسماء” وبعض المحاولات القليلة، ما زالت السينما المصرية تكرر نفس الصورة النمطية القديمة. نحتاج لحكايات جديدة تأتي من الحقيقة وليس من الخوف.
دور السينما والدراما المطلوب اليوم
السينما تقدر تكون أداة وعي كما كانت أداة خوف. يمكنها تقديم حكايات حقيقية للمتعايشين، رؤية الإنسان قبل رؤية المرض، وتصحيح المفاهيم الخاطئة وأخيرًاكسر الوصم والعزلة.
إعادة النظر في خطاب السينما ليست رفاهية، بل خطوة أساسية لمواجهة الوصم ونشر فهم أعمق وأكثر إنسانية، المشكلة ليست في الفن نفسه، بل في غياب المسؤولية وفي تجاهل أثر الصورة على حياة أناس حقيقيين.
ربما أخطر ما فعلته السينما ليس ما عرضته، بل ما قررت ألا تعرضه. الصمت عن القصص الحقيقية والحياة العادية للمتعايشين كان له أثر كبير في ترسيخ الجهل والخوف.
والسؤال المهم: هل دور السينما أن تخوف، أم تفهّم، أم تعكس الواقع بمسؤولية؟ التغيير ممكن، لكنه يحتاج وعيًا واختيارًا مختلفًا للحكاية. نحتاج لسينما تكسر الأفكار الخاطئة كما ساهمت في صناعتها، سينما تقدم الإنسان قبل التشخيص، وتقدم الأمل قبل اليأس.