عزيزي من تقرأ/ين هذا النص، أنا بكتب لك عن تجربة شخص بدأ رمضان في بدايات حياته في ألمانيا ويعيشه الآن في مصر ..
أول رمضان عشته كشخص كويري مسلم واعي بنفسه كان في ألمانيا.وكنت وقتها قد حسمت أمري مع نفسي وقلت بصوت داخلي لنفسي “أنا كوير ومسلم والاتنين دول مش أعداء”
في تلك الأيام، كنت أعيش لوحدي مع أحد أفراد عائلتي، نعم جربت شعور الوحدة ومعي أحد، لهذا كنت انتظر رمضان لأنه الشهر الذي أكتشف فيه أن لدي عائلة كاملة يتجمعون في رمضان مع أول أذان على طاولة واحدة بينما كنت أكره النصف الأخير من الشهر الفضيل لأنه يبتدأ بالتفريق بيننا نحن المتحابين في رمضان وتشد العائلة الرحال فردًا تلو الآخر وحتى الفرد الذي كنت أعيش معه كان يرحل وأنا أبقي لوحدي لفترات طويلة ولكن لم تكمن المشكلة هنا.
فبالحديث عن الشهر الكريم نفسه أتذكر قيامنا بضبط منبه الهاتف أو ساعة الحائط لمعرفة موعد الإفطار، نفتح النافذة، نري المدينة تعيش حياتها كعادتها وكل يوم فيها مثل أي يوم عادي، الفارق فقط أنه الأيام كانت تمر علي من دون ماء أو طعام.
وأتذكر أيضًا أن الجالية الجالية المسلمة كانت تقوم بتجميعنا في أحد الأيام مرتين خلال الشهر لممارسة الشعائر الدينية وإعداد موائد طعام تشاركية وهنا تأتي المنافسة المحتدمة، منافسة النساء بالطعام ومن نفسها في الأكل أحلى ومن أعدت أحلي كنافة علي الطريقة المصرية الأصيلة وهل هي أفضل أم الحلويات السورية ويتعالى صوت لبناني يصيح بأن اللبنانية ألذ الألذ وكل يدعي سبقه بها وأنها بتاعته هو، وتبدأ المنافسة أو ويظهر الصورم كذلك.
غير بعيد عن تلك المنافسة، ينشغل الأزواج بالتقييم وتعبئة الكرش ثم الحبس بصب الشاي والقهوة والعصائر بينما الرجال العازبون والكوير والمتخفون منهم مشغولين بإعداد المائدة قبل الفطار، والشيوخ معروف ما دورهم فالكبير منهم للإمامة والأقل سنا لصلاة التالية بينما الباقون في النصائح والفتاوي والخطب إن وجد، والتنافس في البر.
كنت هناك الوحيد أتحدث بالعربية السليمة، آكل وأستمع الي قصص من بلدان مختلفة العربية ومعرفة من منهم كويري و من يداري ويخاف ويتنكر خوفا من النظرات والآراء والأحكام. لأنه نعم وعلي عكس الشائع والحريات يوجد نظرات غير مريحة ومعادية لكونك كوير، وأيضا يوجد المتنكرين (المتخفين والخائفين) نظرا لعدم تقبل العائلة لكونهم عربًا مسلمين وتوجد عائلتي التي أنا محظوظ بتقبلهم لي ولمثليتي.
ويأتي الفصل الثاني من الشهر الكريم عند رحيل العائلة وأبقي أنا لوحدي، وهنا بعلن أن رمضان قد انتهي وتمر الأيام كأي يوم عادي.
ويأتي الفصل الثاني من الشهر الكريم عند رحيل العائلة وأبقي أنا لوحدي، وهنا بعلن أن رمضان قد انتهي وتمر الأيام كأي يوم عادي وكوجبة عشاء عادية وتمر بكل هدوء، حين كانت تضربني تلك المشاعر كنت أتمشي بالشوارع، أري الناس في المطاعم والحانات والسوبر ماركت يشربون بيرتهم ويضحكون بعلو صوتهم ويأكلون ويمارسون الحياة بشكل طبيعي بينما أنا منعزل عنهم في عالمي الداخلي الروحاني، غريب في بلاد الثلج.
ملخص هو الإحساس بأنك تصلي وحيدا في غرفة كبيرة مرتديا قميص يعكس كويريتك، فهناك القانون يحميني من أي نظرات أو أي شئ أخر والمجتمع الواعي الداعم المتقبل ومع وجود البعض المرغمين علي التقبل نظرا لتطبيق نصوص القانون فتمر الأيام فقط بسلام ومن يرفضك يفعل هذا في سره.
ثم نزلت مصر،وكنت أتوقع اختلافًا كبيرًا، لكنني لم أتوقع هذا القدر من الحياة فجأة، رمضان لم يعد مجرد موعد على الهاتف الذي يرن على السحور والإفطار، فرمضان هنا يدخل البيوت والشوارع قبل الهلال. صار له ملمس ورائحة وصوت. الشوارع تتغير وتتزين. الناس تقف في الشوارع لإبطاء سرعة من لم يجدوا إفطارًا واحتوائهم بحب ودفء. الهواء نفسه يحمل انتظارًا جماعيًا و حتي التلفاز هناك برامج ومسلسلات وإعلانات لا تعرض فقط إلا في رمضان وقد صنعت خصيصا له.
إذا قلت إنني سأفطر بمفردي، يأتيني الرد سريعًا: “طيب إحنا جايين لك بصينية محشي”أو الرد الأخر ” في حاجه مضيقاك؟ ” أو “مفيش حد هيفطر وحده هنا”
ما زلت أعيش وحدي هنا في مصر أيضًا. شقتي هادئة، ومائدتي في بعض الأيام كما هي: طبق واحد وكوب ماء. لكن الفارق أنني هنا لا أُترك لوحدتي بسهولة، تنتزعني الأصوات والفوازير والإعلانات وطراقيع الصواريخ تحرص عائلتي على الاتصال بي للفطار معهم وقد لاحظت أيضا ان معظم أهالي الكوير في مصر غير متقبلين فيلين قلبهم في هذا الشهر الكريم ويتواصلون مع أولادهم للتجمع علي الفطار في بدايات الشهر الكريم، يأخذون هدنة من فجوة كبيرة بينهم، اسمها الكويرية أو المثلية أو الاختلاف. فهنا له اسم غير مجرد (رمضان) أو (الشهر الكريم ) فهنا قد أضافوا له اسم جديد لم يكن معروف بالخارج شهر (رمضان المودة والكرم)
وبالحديث عن أصدقائي الذين هم – عائلتي البديلة – لديهم موقف واضح من رمضان وإن لم يعودوا مسلمين أو متدينين“رمضان ده ما يتعاشي لوحدك.”تتكرر فيه الدعوات إلى الألفة، وتُفرض عليّ فيه المحبة بشكل جميل. ليس ضغطًا، بل إصرارًا دافئًا. إذا قلت إنني سأفطر بمفردي، يأتيني الرد سريعًا: “طيب إحنا جايين لك بصينية محشي”أو الرد الأخر ” في حاجه مضيقاك؟ ” أو “مفيش حد هيفطر وحده هنا”
فهنا المحبه يعبر عنها بالحضور وهنا حدث شيء لم أكن مستعدًا له، شعرت بالسكينة كل يوم.حتى أهلي، رغم أنني أعيش مستقلًا، يتصلون قبل المغرب، “هتيجي تفطر معانا؟” أو يذكرونني بأن “المغرب على أذان” لا أسئلة عن حياتي الخاصة، لا ضغط. فقط رغبة صافية في وجودي بينهم،في لحظات معينة، وأنا جالس على مائدة ممتدة، كنت أشعر أن شيئًا داخلي يهدأ، كأن القلب الذي تعوّد على الإفطار على صوت منبّه صغير، صار يسمع الآن صوت مدينة كاملة تنتظر اللحظة نفسها، لكن التحدي هنا مختلف تمامًا،في مصر، الأمان ليس قانونيًا بنفس الدرجة التي وجدتها في ألمانيا،أنا أعرف أنني لا أستطيع أن أُظهر ميولي علنًا كما كنت أفعل في ألمانيا. أعرف أن أي تعبير صريح قد يتحول إلى مشكلة حقيقية تنهي حياتي حرفيًا أو مجازًا. التحدي هنا ليس في نظرة عابرة، بل في احتمالية قانونية واجتماعية أكبر.
في ألمانيا، كنت أتحرك بهويتي كاملة دون خوف من العقوبة، هنا، أتحرك بحذر، أختار كلماتي، أحدد دوائري بدقة. الفرق أن الوحدة هناك كانت شعورًا وجوديًا ملازمًا أما هنا فليس للوحدة خيار أو مكان.والخوف – ولو كان صامتًا – هو الشعور الذي يتطلب إدارة.
ومع ذلك، المفارقة أنني هنا أشعر بحياة أكثر.هناك كنت أملك الأمان والحرية، لكنني أفتقد النبض الجماعي.هنا أعيش النبض، أعيش اللمة، أعيش فكرة أن وجودي مهم في حياة آخرين… لكنني أعرف أن جزءًا مني يجب أن يبقي في الظل خارج دائرة الآمان.
التجربتان علمتاني شيئًا مهمًا:الأمان وحده لا يصنع الدفء.والدفء وحده لا يلغي الحاجة للأمان.في ألمانيا، كنت أضبط منبّهًا ليذكرني أنني جزء من شهر مقدس،في مصر، لا أحتاج إلى منبّه. المدينة كلها تذكّرني، هناك، كنت واضحًا أمام القانون ظاهرًا بهويتي لا أداريها، لكني كنت غير مرئي اجتماعيًا.
هنا، أنا مرئي ومحبوب داخل دوائري، لكنني غير قادر على أن أكون مرئيًا بالكامل في المجال العام.وبين هنا وهناك، أتعلم أنني أستطيع أن أعيش الهويتين أساوم الأيام لأحصل على لحظات حلوة… لكن بشروط مختلفة في كل مكان ربما يومًا ما، سأجد مدينة تجمع بين أمان هناك… أو ستحنَ عليّ مدينتي هنا، لأعيش هويتي وإيماني وإلى أن يحدث ذلك، سأظل أفضل الدفء وصوت أذان يتردد فوق مائدة مصرية ممتدة بالحب.